السيد كمال الحيدري
175
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
تحصل للإنسان غاية إلّا بالسعي إليها من أبوابها وجرّها بسلسلة أسبابها » « 1 » ؛ ما دام ذلك كذلك « فإنّه لا يجرى القضاء والقدر على أمّة أو فرد إلّا على حسب مساعيها وقدر جدّها واتّفاق كلمتها » « 2 » . أجل ، الإنسان هو الذي يصنع مصيره بيده عبر التوسّل بنظام الأسباب ومن خلال العقل المودَع فيه وعبر إرادته ، وإنّ الأمم هي التي تختار الحاضر والمستقبل الذي تريده عبر اكتشاف سنن الله الجارية في المجتمع والتأريخ وعالم الطبيعة ، ومن ثمّ يجوز القول إنّ الأفراد والأمم هم الذين يصنعون أقدارهم وأقضيتهم بأيديهم بما لا يشذّ عن علم الله ، من دون تنافٍ بين الاثنين ، لأنّ الله جلّ جلاله هو الذي يسَّر الإنسان للسعى وأوجد له الأسباب ومهَّد له السُبل ووهبه العقل وحريّة الاختيار . وبتعبير جميل للسيّد محمد باقر الصدر ( استشهد : 1980 م ) : إنّ جريان السنن والنواميس في الوجود وعالم الخليقة الإنسانية ، وما تمليه من روابط وعلاقات بين أجزاء الوجود وفى حركة الإنسان والمجتمع ومسار التأريخ ، إنّما هو : « في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى ، وحسن تقديره ، وبنائه التكويني » « 3 » للوجود والطبيعة وعالم الخليقة . وحين تكون هذه السنن والنواميس هي بذاتها تقدير الله وقدره ، ويكون القدر جزءاً من البناء التكويني للطبيعة والوجود الإنسانى ، فإنّ ذلك لا يعنى تجميد إرادة الإنسان وتعطيل حرّيته بالاختيار ، عبر وهم مصادرة هذه الإرادة والحريّة بفكرة السنّة والناموس ، خاصّة على مستوى الفواعل الاختيارية التي يأتي الإنسان في طليعتها ، وهو يصنع وجوده في التأريخ ويؤسّس لمجتمعه ، وذلك لأنّ هذه
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 194 . ( 2 ) الدين والإسلام ، ج 1 ، ص 184 . وستأتي تفاصيل أُخرى ورؤى جديدة لكاشف الغطاء في الفقرة الأخيرة من هذا البحث . ( 3 ) المدرسة القرآنية ، محاضرات سماحة الإمام محمد باقر الصدر ، طبعة دار التعارف ، بيروت ، 1400 ه ، ص 79 .